لغز MH370: طائرة بـ 239 راكبًا اختفت قبل 12 عامًا، والبحث يعود الآن
في فجر 8 مارس 2014، أقلعت طائرة بوينغ 777 تابعة للخطوط الماليزية من كوالالمبور متجهة إلى بكين، وعلى متنها 239 شخصًا. بعد أقل من ساعة اختفت من شاشات المراقبة الجوية، ولم يُعثر على حطامها الرئيسي حتى اليوم.
بعد أكثر من 12 عامًا، ومع عمليات بحث تُعد الأكبر والأغلى في تاريخ الطيران، ما زال مصير الرحلة MH370 أشهر لغز في الطيران الحديث. لكن هذا الشهر تحديدًا له أهمية خاصة: فقد مددت ماليزيا عقد البحث مع شركة Ocean Infinity حتى 30 يونيو 2027، ومن المتوقع أن تعود سفنها إلى المحيط الهندي بين نوفمبر 2026 وأبريل 2027 لإكمال مسح آخر منطقة ذات أولوية (The Aviation Brief).
في هذا المقال نرتّب ما نعرفه بالأدلة عن تلك الليلة، ونفصله بوضوح عن النظريات التي ملأت الإنترنت.
الليلة: كيف اختفت الطائرة؟
الطائرة بوينغ 777-200ER بتسجيل 9M-MRO، على متنها 227 راكبًا و12 من الطاقم. وهذا تسلسل ما حدث بتوقيت ماليزيا:
- 00:41 — الإقلاع: تغادر الطائرة كوالالمبور في رحلة عادية إلى بكين.
- 01:19 — آخر اتصال صوتي: يودّع قائد الطائرة المراقبة الجوية الماليزية بعبارة “Good night, Malaysian three seven zero”، استعدادًا للانتقال إلى المراقبة الفيتنامية.
- 01:21 — الاختفاء: يتوقف جهاز المرسل المستجيب (Transponder) عن البث، فتختفي الطائرة من رادارات المراقبة المدنية، في نقطة تقع بين المجالين الجويين الماليزي والفيتنامي.
- بعد الاختفاء — الانعطاف: يرصد الرادار العسكري الماليزي جسمًا يعود غربًا، ويعبر شبه الجزيرة الماليزية، ثم يتجه شمال غرب فوق مضيق ملقا.
- 02:22 — آخر رصد راداري: فوق بحر أندامان، شمال غرب جزيرة بينانغ.
حتى هذه اللحظة، بدا أن الطائرة سقطت في مكان ما قرب ماليزيا. لكن ما تبيّن بعد أيام قلب كل التوقعات.
البيانات التي غيّرت كل شيء: “مصافحات” الأقمار الصناعية
هنا يدخل الجزء الأقرب إلى ما نفعله في الصندوق الأسود: البيانات.
كانت الطائرة مزوّدة بجهاز اتصال بالأقمار الصناعية تابع لشركة Inmarsat. هذا الجهاز انقطع عنه التيار في وقت ما، ثم عاد للاتصال الساعة 02:25، أي بعد انتهاء التغطية الرادارية مباشرة. وعلى مدى ست ساعات تقريبًا بعدها، ظل يرد على نداءات دورية من القمر الصناعي كل ساعة تقريبًا (MigFlug).
هذه الردود ليست تقارير عن موقع الطائرة، بل مجرد “مصافحات” إلكترونية تقول: أنا ما زلت هنا. لكن المحللين استخرجوا منها معلومتين حاسمتين:
- زمن وصول الإشارة: يحدد المسافة بين الطائرة والقمر الصناعي، فيضع الطائرة على قوس (حلقة) على سطح الأرض في كل مصافحة.
- انزياح تردد الإشارة: يتأثر بحركة الطائرة واتجاهها، ومنه استُنتج أنها اتجهت جنوبًا لا شمالًا.
آخر مصافحة جزئية سُجّلت الساعة 08:19 تقريبًا، وتتّسق مع نفاد الوقود. وبتقاطع هذه الأقواس مع أداء الطائرة ووقودها، رُسم “القوس السابع”: خط طويل في جنوب المحيط الهندي، غرب أستراليا، يُرجَّح أن الطائرة سقطت قربه.
بعبارة أخرى: طائرة اختفت قرب فيتنام، طارت ست ساعات أخرى في الصمت، وانتهت في واحدة من أبعد بقاع المحيطات وأعمقها.
ما نعرفه بالأدلة
الحطام: في يوليو 2015، بعد 16 شهرًا من الاختفاء، جرفت الأمواج قطعة من جناح الطائرة (flaperon) إلى شاطئ جزيرة لا ريونيون غرب المحيط الهندي، وتأكد أنها من MH370. وبعدها عُثر على قطع أخرى على سواحل شرق أفريقيا وجزر المحيط الهندي (Yahoo News). هذا الحطام أكّد أمرين: أن الطائرة انتهت في المحيط الهندي فعلًا، وأنها تحطمت. لكن الحطام الطافي لا يكشف المكان الدقيق، لأن التيارات حملته آلاف الكيلومترات.
التحقيق الرسمي: أصدر فريق التحقيق الماليزي تقريره النهائي عام 2018، وانتهى إلى أنه لا يستطيع تحديد سبب الاختفاء. ورجّح التقرير أن الانعطاف إلى الخلف تم بتحكم يدوي لا بالطيار الآلي، ولم يستبعد احتمال تدخل غير مشروع من طرف ثالث.
ما لا نعرفه: أين الحطام الرئيسي بالضبط، ولماذا أُطفئت أنظمة الاتصال، ومن كان يتحكم بالطائرة بعد الساعة 01:21. والإجابة على هذه الأسئلة على الأرجح موجودة في جهازي التسجيل (الصندوقين الأسودين) الموجودين على قاع المحيط.
النظريات: ما يدعمها وما يضعفها
لا توجد نظرية مثبتة. لكن معظم النقاش الجاد يدور حول ثلاثة احتمالات:
- فعل متعمّد من داخل قمرة القيادة
- ما يدعمها: الانعطاف اليدوي، وتوقف أنظمة الاتصال، ومسار يبدو أنه تجنّب الرصد. كما عُثر في جهاز محاكاة طيران منزلي لقائد الطائرة على جلسة تنتهي بنفاد الوقود جنوب غرب أستراليا.
- ما يضعفها: هيئة التحقيق الأسترالية لاحظت أن مسار جلسة المحاكاة لا يتّسق مع المسارات المستنتجة من بيانات الأقمار الصناعية، والتقرير الماليزي لم يجد في المحاكي نشاطًا غير معتاد خارج الاستخدام الترفيهي، ولم يجد مؤشرات نفسية أو سلوكية لدى أي من أفراد الطاقم (MigFlug).
- عطل أو حريق ثم “رحلة أشباح”
- ما يدعمها: طيران الطائرة لساعات في خط مستقر نحو الجنوب يشبه طائرة يقودها الطيار الآلي بعد فقدان الطاقم وعيهم.
- ما يضعفها: الانعطافات المتتالية بعد الاختفاء تبدو مقصودة ومنفذة يدويًا، وهو ما يصعب تفسيره بعطل مفاجئ.
- اختطاف من طرف ثالث
- ما يدعمها: التقرير الرسمي لم يستبعده.
- ما يضعفها: لم تعلن أي جهة مسؤوليتها، ولم تُطلب فدية أو يُعلن أي مطلب.
أما نظريات المؤامرة التي تقول إن الطائرة هبطت سرًّا في مكان ما أو أُسقطت بعيدًا عن المحيط الهندي، فتتعارض مع دليلين قويين: بيانات الأقمار الصناعية، والحطام الذي وصل إلى سواحل المحيط الهندي.
في الصندوق الأسود لا نرجّح نظرية على أخرى. ما سيحسم الأمر هو العثور على الحطام وجهازي التسجيل.
12 عامًا من البحث
- 2014–2017 — البحث الدولي: قادت أستراليا بحثًا ضخمًا في قاع المحيط على طول القوس السابع، وانتهى في يناير 2017 دون العثور على الطائرة.
- 2018 — Ocean Infinity للمرة الأولى: بحثت الشركة بين يناير ويونيو بنظام “لا عثور، لا أجر”، دون نتيجة (Australian Aviation).
- 2025 — العودة: وقّعت ماليزيا اتفاقًا جديدًا مع الشركة في 25 مارس 2025 لمسح منطقة جديدة مساحتها 15,000 كم². وتوقف البحث في أبريل بسبب سوء الأحوال الجوية (UPI عبر Yahoo).
- ديسمبر 2025 – يناير 2026: استُؤنف البحث في 30 ديسمبر، وانتهى في 23 يناير 2026 دون العثور على الحطام (Wikipedia).
البحث الآن
في يونيو 2026 مددت ماليزيا العقد حتى 30 يونيو 2027، لإكمال مسح المساحة المتبقية من المنطقة ذات الأولوية، وهي نحو 7,428 كم². وما زال الاتفاق ينص على أن تحصل الشركة على 70 مليون دولار فقط إذا عثرت على الحطام (ABC News).
من المتوقع أن تعود السفن إلى المنطقة بين نوفمبر 2026 وأبريل 2027، حين تكون البحار أهدأ، لكن ماليزيا لم تعلن موعدًا محددًا لاستئناف البحث (Vietnam.vn).
سنتابع البحث في الصندوق الأسود، ونحدّث هذا المقال مع أي جديد. وحتى ذلك الحين، تبقى 239 عائلة تنتظر إجابة منذ أكثر من 12 عامًا.
المصادر
- The Aviation Brief، يونيو 2026.
- ABC News / Associated Press، 29 يونيو 2026.
- Australian Aviation، 9 مارس 2026.
- MigFlug، استنادًا إلى تقرير التحقيق الماليزي (2018) وتقرير هيئة سلامة النقل الأسترالية (2017).